السودان.. بين فخاخ الماضي ورهانات الاستقرار المؤجل ✍️ د.علاء عماد الدين البدري

لم يكن استقلال السودان عام 1956 نهاية لمرحلة استعمارية فحسب بل كان أيضًا بداية لمسار وطني صعب ومعقد تداخلت فيه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلد يمتلك ثروات طبيعية هائلة وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا لكنه لم ينجح بعد رغم مرور العقود في تحقيق الاستقرار المستدام والتنمية الشاملة.
لقد شهد السودان منذ الاستقلال سلسلة من التحولات المتسارعة شملت انقلابات سياسية اضطرابات أمنية أزمات اقتصادية وحروبًا داخلية ما أعاق عملية بناء الدولة وأضعف مؤسساتها في فترات متعددة ورغم اختلاف الحكومات المتعاقبة في الرؤى والبرامج ظل القاسم المشترك بينها هو صعوبة تحقيق نقلة نوعية تضمن استقرارًا طويل الأمد يعكس تطلعات الشعب السوداني.
وفي قراءة أكثر عمقًا لهذا الواقع يبرز الإرث الاستعماري كعنصر لا يمكن تجاهله فقد ورث السودان كغيره من الدول المستقلة بنية إدارية ومؤسسية رسمها المستعمر وكان لها تأثير طويل المدى على تشكيل الدولة الحديثة ولا تزال تداعيات تلك المرحلة تلقي بظلالها على مجمل المشهد السياسي والاجتماعي بشكل مباشر أو غير مباشر.
حين انسحبت المملكة المتحدة من السودان باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة أنهت وجودها العسكري والإداري الرسمي لكنها تركت وراءها شبكة من التأثيرات الناعمة التي استمرت من خلال التعليم والعلاقات الاقتصادية والتقارب الثقافي والدبلوماسي ورغم ما تحمله هذه الروابط من فرص للتعاون إلا أن غياب حوار شفاف حول الماضي جعل العلاقة بين الطرفين تفتقر إلى الوضوح اللازم لمعالجة آثار تلك المرحلة.
من اللافت أن الحكومات السودانية على اختلاف طبيعتها لم تسعَ بشكل جاد إلى فتح هذا الملف مع لندن لا من موقع الخصومة بل من باب إعادة تقييم العلاقة بما يخدم مصالح السودان في الحاضر والمستقبل كان هناك تقارب نسبي في بعض الفترات لا سيما خلال عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري إلا أن هذه المحاولات لم تتبلور في صيغة استراتيجية دائمة.
وهنا تبرز تساؤلات :
هل يمكن للمملكة المتحدة باعتبارها طرفًا فاعلًا في التاريخ السوداني أن تسهم بدور إيجابي في دعم استقرار السودان ومساعدته على تجاوز العقبات المتجذرة؟
وهل تملك لندن “مفتاح الحل” الذي يصر الساسة السودانيون على تجاهله؟ وهل الاستقرار السوداني بمفهومه الحقيقي يتطلب مواجهة تاريخية مع القوة الاستعمارية السابقة لفك شيفرات الأزمات المعلقة؟
وهل يمتلك السودان الشجاعة السياسية الكافية لفتح صفحة جديدة قائمة على الشراكة العادلة لا من منطلق التبعية بل من منطلق المصلحة المتبادلة؟
إن معالجة الأزمة السودانية المعقدة لم تعد مجدية عبر مقاربات جزئية أو حلول مؤقتة بل إن المرحلة الراهنة تتطلب حوارًا استراتيجيًا شاملًا مع الأطراف الدولية ذات التأثير التاريخي وفي مقدمتها المملكة المتحدة لبحث سبل التعاون البناء وتجاوز رواسب الماضي في إطار يحترم السيادة الوطنية ويعزز فرص التنمية والسلام لقد أثبتت التجارب أن تجاهل جذور الأزمات يطيل أمدها بينما يمكن لحوار صريح ومسؤول أن يسهم في تفكيك كثير من العقد وفتح مسارات جديدة نحو الاستقرار والسودان اليوم وهو يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه في حاجة إلى مقاربات شجاعة توازن بين استحضار دروس الماضي واستشراف آفاق المستقبل بما يحقق تطلعات شعبه في الحكم الرشيد والتنمية العادلة والسلام المستدام.





