علاء عماد الدين البدريمقالات الرأي
أخر الأخبار

الاستقلال الاقتصادي أولًا: لا للتبعية الجديدة باسم ‘الإصلاح ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

في عالم تتزايد فيه الأزمات الاقتصادية تتعاظم أهمية الاستقلال المالي والسيادة الاقتصادية ورغم أن صندوق النقد الدولي يُقدَّم غالبًا كجهة إنقاذ في أوقات الأزمات فإن تجارب كثيرة أثبتت أن تدخله في اقتصاديات الدول النامية غالبًا ما يُفضي إلى مزيد من التبعية والضعف وليس إلى التعافي أو النمو.

 

لقد فقد الصندوق صفته كجهة دولية حيادية وأصبح رهينة لإرادة قلة من الدول الكبرى التي توجه سياساته بما يخدم مصالحها الاستراتيجية لا مصالح الدول المتعثرة اقتصاديًا وبذلك فإن ما يسمى بـ “برامج الإصلاح الاقتصادي” التي يفرضها الصندوق ما هي إلا نسخة معاصرة من الاستعمار تُفرض بالقلم والأرقام بدلاً من البندقية.

القروض الخارجية فخ الاستدانة والتقشف، المفارقة أن الحلول التي يقدمها الصندوق تتشابه من بلد إلى آخر بغض النظر عن السياقات المحلية أو الأوضاع الاجتماعية تقشف رفع الدعم خصخصة وتحرير سعر الصرف وهي وصفة تكاد تكون جاهزة سلفًا لا تراعي الفروق الجوهرية بين الدول ولا تعالج الأسباب الحقيقية للأزمات.

 

لكن بالمقابل هناك دول اختارت أن تسير في طريق مغاير وأن تعتمد على ذاتها بعيدًا عن شروط الصندوق ولعل أبرز هذه الدول هي ماليزيا في أواخر تسعينات القرن الماضي ففي عام 1997 واجهت ماليزيا أزمة مالية خانقة ضمن ما عُرف بأزمة النمور الآسيوية وبينما لجأت دول مثل إندونيسيا وتايلاند إلى صندوق النقد الدولي ورضخت لشروطه القاسية قررت ماليزيا بقيادة رئيس وزرائها آنذاك مهاتير محمد أن ترفض هذه الإملاءات.

 

وبدلًا من الاقتراض من الصندوق قامت ماليزيا بتجميد تداول عملتها في الأسواق الأجنبية وفرضت قيودًا على رؤوس الأموال قصيرة الأجل ورفضت تعويم عملتها ووضعت خطة إصلاح داخلية تعتمد على تحفيز الاقتصاد المحلي والاعتماد على الموارد الذاتية.

والنتيجة؟ تعافت ماليزيا أسرع من غيرها وحافظت على سيادتها الاقتصادية وتجنبت الانهيار الاجتماعي الذي عانت منه دول أخرى خضعت لشروط الصندوق تُظهر التجربة الماليزية أن هناك بدائل حقيقية عن صندوق النقد الدولي وأن الاعتماد على الذات ليس شعارًا بل استراتيجية قابلة للتطبيق شرط أن تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.

وعليه فإن على حكومة الأمل أن تعيد النظر في هذا المسار وتبدأ بوضع استراتيجية اقتصادية وطنية مستقلة تقوم على:

1. الاعتماد على الموارد الداخلية واستغلالها بشكل مستدام.

2. تحفيز الاستثمار المحلي بدلًا من مراكمة الديون.

3. الحد من الفساد والهدر المالي وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات المنتجة.

4. تنمية الصناعة والزراعة لتقليل التبعية للاستيراد.

5. بناء نظام ضريبي عادل يحقق الإيرادات دون سحق الطبقات الفقيرة.

 

إن طريق الاستقلال الاقتصادي ليس سهلاً لكنه الخيار الوحيد لتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة والخروج من عباءة صندوق النقد الدولي لم يعد ترفًا بل ضرورة وطنية تُجنب الشعوب سنوات من المعاناة وتضمن لها الحق في رسم مستقبلها بإرادتها.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام