علاء عماد الدين البدريمقالات الرأي
أخر الأخبار

التمثيل الدبلوماسي بين البروتوكول ومصلحة الوطن ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

في كل عام تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ويتوافد زعماء العالم لإلقاء كلماتهم واستعراض مواقف دولهم من قضايا العالم ورغم رمزية هذا الحدث إلا أن التساؤل المشروع الذي يجب أن يُطرح بجرأة لماذا يقود رئيس الوزراء تمثيل السودان في هذه الفعالية الدولية؟ أليس من الأجدى أن يقوم وزير الخارجية بهذه المهمة خاصة في ظل تعقيد الأوضاع الداخلية للبلاد والحاجة الماسة لوجود القيادة التنفيذية في الداخل؟

 

لقد أصبحت مشاركة رؤساء الحكومات في هذه المحافل أشبه بـ”الواجب الدبلوماسي” أكثر من كونها خطوة استراتيجية ذات نتائج ملموسة ومع ذلك فإن التساؤل الأعمق يتجاوز الأسماء والمناصب ليطال جدوى المشاركة نفسها في محفل دولي لم يقدم لنا نحن في السودان سوى القرارات التي بقيت حبراً على ورق والمواقف المتأرجحة التي غالباً ما تنحاز لمصالح القوى الكبرى.

 

الجمعية العامة نفسها التي يذهب إليها رئيس الوزراء الآن تحتضن في صفوفها الدول التي كانت وما زالت سبباً في معاناة السودان وانهياره المستمر من دعم للانقلابات إلى تقاعس عن دعم فاعل في لحظات الحسم إلى قرارات مجلس الأمن التي كثيراً ما استخدمت كأدوات ضغط لا كوسائل عدالة ولنا في القضية الفلسطينية أكبر دليل وكذلك لبنان وسوريا واليمن والعراق والقائمة تطول.

 

من المهم أن نُدرك أن الجمعية العامة للأمم المتحدة رغم كونها ساحة حوار دولي وتبادل للآراء والمواقف فإنها لم تكن في كثير من المحطات فاعلة بالقدر المأمول في معالجة قضايا العالم النامي بما في ذلك السودان بل أن كثيرًا من قراراتها بقيت دون تنفيذ أو وجدت طريقها إلى التأجيل والمماطلة بسبب تعقيدات السياسة الدولية وتوازنات القوى.

 

لقد مر السودان ومعه عدد من الدول العربية والإفريقية بتجارب مؤلمة فيما يتعلق بتفاعل المجتمع الدولي مع قضاياه الأمر الذي يضع علامات استفهام حول مدى التوازن والعدالة في هذا النظام الدولي الذي غالبًا ما تُحركه المصالح لا المبادئ.

 

من هنا فإن إعادة النظر في كيفية تمثيل السودان خارجيًا وطبيعة المشاركة في مثل هذه الفعاليات هي مسألة سيادية بامتياز ومرتبطة برسم صورة السودان أمام العالم بما يعكس استقلاليته واحترامه لذاته وحرصه على شراكاته الخارجية دون التفريط في قراره الوطني.

 

نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة لهذه العقلية السياسية التي لا تزال ترى في الدول الغربية “المنقذ” وفي الأمم المتحدة “المظلة العادلة” رغم التاريخ المليء بالخذلان يجب أن تُعيد الحكومة السودانية النظر في طريقة تعاطيها مع الملفات الخارجية وأن تبدأ من فرض هيبة الدولة السودانية خارجياً بدلاً من اللهاث وراء موائد لا نُدعى إليها إلا كضيوف يُصفق لهم لا كشركاء يُسمَع صوتهم.

 

إن زمن الترضيات وزمن المجاملات وزمن التطلع لرضا الدول الكبرى يجب أن ينتهي السودان بلد عريق غني بتاريخه وموارده وكفاءاته ولا يليق به أن يكون رقماً في قائمة الدول التي تنتظر “الرضا الدولي” كي تتحرك إن كنا معزولين فلننعزل بكرامة ولنبنِ تجربتنا الخاصة لا أن نكون رهينة لسياسات دولية تنظر إلينا كتوابع لا كدول ذات سيادة ما نحتاجه ليس تمثيلاً شكلياً في الأمم المتحدة بل موقفاً واضحاً يحفظ مكانة السودان ويعكس مصالحه الحقيقية أمام العالم.

 

لقد آن الأوان لأن نتعامل مع العلاقات الدولية من منطلق الندية والاحترام المتبادل لا من موقع التبعية أو الترقب السودان بما لديه من موارد وقدرات وتاريخ يستحق أن يكون فاعلًا في الساحة الدولية لا متلقياً فقط لما يُقرره الآخرون إن صوت السودان في الخارج يجب أن يُعبّر عن رؤيته لنفسه لا عن تصورات الآخرين عنه وأن يتمثل طموح أبنائه في بناء دولة قوية مستقلة ومؤثرة تحفظ مكانتها بين الأمم.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام