“يوم الزراعة العربي”: الواحات الخضراء، وأيادٍ تعيد البناء في الخرطوم – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يأتي يوم الزراعة العربي، الذي تحتفل به منظمتنا العربية للتنمية الزراعية (AOAD) في السابع والعشرين من سبتمبر من كل عام، كمنارة للتفكير العميق في قضية الأمن الغذائي، ودور الأرض التي هي مهد حضارتنا. إنه ليس مجرد احتفال، بل هو تجديد للعهد مع الأرض، و فرصة لتسليط الضوء على الأدوار المتعاظمة للمؤسسات والبيئات الزراعية الحيوية في صميم وطننا العربي.
تتخذ المنظمة العربية للتنمية الزراعية (AOAD) من الخرطوم، عاصمة السودان الأبية، مقرًا رئيسيًا لها منذ عام 1972، وهي تكتسب اليوم، وسط تحديات المنطقة، أهمية مضاعفة. الخرطوم، المدينة الصامدة والمحررة، تمثل قلب الأمة الزراعي، والمنظمة بدورها تتحمل مسؤولية تاريخية في قيادة جهود التنمية الزراعية، خاصة في مرحلة إعادة البناء والاستقرار.
تستمر أدوار المنظمة لتكون أكثر شمولاً وتأثيرًا في قيادة استراتيجية الأمن الغذائي والعمل على تحقيق التكامل الزراعي بين الدول العربية، والتركيز على مشروعات تزيد من الإنتاجية الزراعية، خاصة في دول الموارد الوافرة مثل السودان، ودعم صمود القطاع الزراعي في ظل الأزمات، تبرز الحاجة لدعم المزارعين، وتوفير المدخلات الزراعية، وتعزيز التكنولوجيا الزراعية الذكية التي تتكيف مع التغيرات المناخية ونقص المياه، بجانب تعزيز دور الواحات والعمل على حماية النظم الايكولوجية الفريدة للواحات كونها مصدرًا أساسيًا للمعيشة والتراث، وهو ما يتسق مع شعار احتفال المنظمة لعام 2025: “لنعمل معاً على استدامة الواحات وتعزيز قدرتها على التكيف والصمود”.
تظل الواحات في الوطن العربي، بما فيها واحات السودان، رمزًا للصمود في وجه التصحر وشح المياه. هذه الواحات ليست مجرد بقع خضراء، بل هي نظم حياتية متكاملة، ومخازن طبيعية للتنوع الحيوي والمائي، وحاضنة للموروث الثقافي. إنها تمثل الذكاء العربي القديم في التكيف مع البيئة الصحراوية القاسية.
وفي السودان، حيث تجتمع التحديات البيئية والاجتماعية، تكتسب الواحات دورًا محوريًا وتساهم الواحات في الأمن الغذائي المحلي بتوفير الغذاء والدخل لسكان المناطق الجافة وشبه الجافة، مما يقلل من الضغط على المدن ويعزز الاستقرار الريفي، بجانب أنها مراكز حفظ للهوية الزراعية والتراث والتقاليد المتوارثة، التي يجب أن تُحفظ وتُعزز من خلال مشروعات التنمية.
وتأتي واحة البشيري في السودان، وهي موطن شاعرنا القدير والكاتب الشامخ محمد المكي إبراهيم (من مواليد الأبيض)، كنموذج لثراء هذه البيئات. الشاعر الذي أتى “من أقصى واحة البشيري يسعى”، كما جاء في إحدى الكتابات عنه، يجسّد في شعره عمق الارتباط بين الأرض والهوية. واحة البشيري تذكرنا بأن الزراعة ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل هي جذر ثقافي يغذي الإبداع والفكر، ويشعل جذوة الانتماء. حماية الواحة هي حماية للتراث والإبداع الذي يمكن أن ينهض بالأمة.
إن يوم الزراعة العربي هو دعوة للعمل الجاد. الزراعة هي المفتاح الحقيقي لـتحقيق السيادة على الغذاء والموارد. يجب أن نتبنى رؤية استراتيجية تجعل من الأرض العربية، وواحاتها ومشاريعها الواسعة، القوة الدافعة لإعادة بناء الخرطوم وكل ما دمرته الصراعات. عبر الاستثمار في الزراعة المستدامة وحماية الواحات، وعبر تمكين المنظمة العربية للتنمية الزراعية من القيام بدورها الريادي بكامل طاقتها في عاصمتها الخرطوم، نضمن للأجيال القادمة أرضاً خصبة، آمنة، ومزدهرة.
لنتأمل في قصائد محمد المكي إبراهيم، وننظر إلى الواحة كقصيدة خضراء يجب أن نمنع عنها عوامل الذبول، ونجعل من يوم الزراعة العربي انطلاقة حقيقية نحو أمن غذائي لا يساوم، وتنمية مستدامة لا تتراجع.





