شباب الأعمال السودانيون: قاطرة التعافي وبناء المستقبل – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

تظلُّ الأوطانُ بحاجةٍ ماسةٍ إلى طاقة شبابها وعزيمتهم، لا سيما في أوقات المحن والتحوّلات الكبرى. وفي سياق السودان الذي يطوي صفحة الحرب الأليمة ويتطلع إلى مرحلة إعادة الإعمار والنهوض، يبرز شباب الأعمال السوداني كقوة دافعة ومحرك لا غنى عنه في هذه المسيرة الوطنية المعقدة. إنهم ليسوا مجرد جزء من المعادلة، بل هم جوهر الحل ومفتاح التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
يواجه السودان تحديًا هائلاً يتطلب حلولاً مبتكرة وسريعة، وهذا هو المجال الذي يتفوق فيه رواد الأعمال من خلال أدوارهم المتعاظمة في التعافي. تكمن أهميتها في عدة محاور ومنها خلق فرص العمل والحد من البطالة. في مرحلة ما بعد الحرب، تكون الحاجة ملحة لتوفير سُبل عيش كريمة للمتضررين والعائدين. المشروعات الناشئة والصغيرة والمتوسطة هي الأسرع في توليد فرص العمل بأقل تكلفة رأسمالية مقارنة بالشركات الكبرى.
يمكن لشباب الأعمال السودانيين، خاصة في قطاعات التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، أن يقدموا حلولاً سريعة ومستدامة لإعادة تأهيل المرافق الحيوية المتضررة والمساهمة في عودة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية والمجتمعات، مع تعزيز الابتكار والتحول الرقمي. فلقد أثبتت الأزمات أن التكنولوجيا هي شريان الحياة. يمكن للشركات الناشئة أن تكون رأس الحربة في التحول الرقمي، مما يسرّع من الشفافية والوصول إلى الأسواق العالمية، ويساعد على تجاوز تحديات البنية التحتية التقليدية، بجانب جذب الاستثمار الأجنبي والمحلي. إن نجاح المشاريع الشبابية المبتكرة يبعث رسائل ثقة قوية للمستثمرين بأن السوق السودانية رغم تحدياتها ما زالت حية وواعدة، مما يشجع على ضخ المزيد من التمويلات اللازمة لعملية الإعمار.
لتحويل هذه الطاقات الشبابية الكامنة إلى واقع ملموس، يجب اقامة علاقة جديدة قائمة على الثقة والشراكة مع القطاع الخاص. هذا النموذج يجب أن يكون حجر الزاوية في العلاقة بين الدولة السودانية وشباب الأعمال. فالثقة المتبادلة هي ما يدفع الشباب للمغامرة والاستثمار في المستقبل، بدلاً من العمل في الخفاء أو التخوف من التعقيدات البيروقراطية.
تبسيط الإجراءات والتخفيف الضريبي وكل الجبايات بكل مسمياتها، وتقاطع التحصيل بين الجهات الولائية والاتحادية وبخاصة في الخرطوم، إن “حزمة التسهيلات الضريبية” و”إعداد دليل استرشادي جديد ومبسط للمعاملات الضريبية”، ، هي أمثلة عملية تسهيل بيئة الأعمال. فيجب على الجهات السودانية المعنية أن تتبنى سياسات واضحة تهدف إلى تخفيف الأعباء وتبسيط إجراءات التسجيل والترخيص والتعامل الضريبي لتمكين الشركات الناشئة من التوسع بثقة.
إن التركيز على دعم المعاملات الضريبية للخدمات المصدرة يفتح آفاقاً للشركات الناشئة السودانية للاستفادة من قدرات الشباب في مجال التكنولوجيا لخدمة الأسواق الإقليمية والعالمية، مما يوفر العملة الصعبة اللازمة للإعمار، بجانب التوجه الحكومي نحو تهيئة بيئة أعمال أكثر شفافية ومرونة يشجع المستثمرين. الشفافية في القوانين ووضوح الرؤية المستقبلية هما المغناطيس الذي يجذب التمويلات ويحوّل الأفكار الواعدة إلى مشروعات قادرة على المنافسة.
إن النهوض بالسودان يتطلب عملاً دؤوباً، ولن يتحقق ذلك دون تمكين شباب الأعمال السودانيين ودعمهم بشكل استراتيجي ومؤسسي. يجب على الحكومة السودانية الانتقالية العمل على تطبيق هذه المبادئ، والالتزام بمسار الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تعزز دور القطاع الخاص وتمنح الشباب فرصاً أكبر للانطلاق بمشروعاتهم.
إنها ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هي رؤية وطنية تؤمن بأن نجاح الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب يعتمد على شراكة حقيقية بين الدولة ورواد الأعمال، شراكة قائمة على الثقة والدعم المتبادل، لأنهم وحدهم القادرون على ضخ روح الابتكار والنمو التي تشتد الحاجة إليها لبناء سودان جديد ومزدهر.





