عادل عسوممقالات الرأي
أخر الأخبار

كيف نفهم قول الله -منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام- بأن (الساعة قريب)؟! ✍️ عادل عسوم

تنوعت العبارات القرآنية والنبوية في الإشارة إلى معنى قُرب الساعة حتى وصفها القرآن بأنها كلمح البصر أو هى أقرب، وكان هذا قبل أربعة عشر قرنا، ولم تقم الساعةُ بعد!.

فكيف يمكننا فهم هذه النصوص الكريمة وما هي دلالاتها؟

سوف أشير في هذه العجالة إلى معنىً خطيرٍ قد يعرف ظاهرَه كثير من المسلمين، لكنني أحسب أنَّ أكثرهم لم يتمكن من الوصول إلى جوهر الفكرة وعمقها والذي سيؤثر كثيرًا في إيمان العبد وسلوكه في هذه الحياة القصيرة،

خلاصة الفكرة:

أنَّ الإنسان حين يموت فإنه لا يفصله عن القيامة إلا كما يفصل النائمَ ليلًا عن الاستيقاظ صباحًا، حتى إذا قامت الساعة وبُعث من قبره وسُئل كم مضى على موتك في الدنيا؛ فلا يظنُّ أنه قضى سوى يوم أو بعض يوم، فكأنما مات بالأمس فقط، وهذه اسمها (فترة البرزخ)، تمر عليه وعلى جميع من ماتوا عن قريب أو قبل آلاف السنين (بمقدار واحد)، يعني ذلك أن جدنا الاكبر الذي توفاه الله في العصر الحجري واحدنا ان توفاه الله اليوم الثالث عشر من اكتوبر 2025 عندما تقوم القيامة عندما يسألنا سائل كم لبثتم فسنقول لبثنا ساعات او يوم على الأكثر، ويمكن التدليل على ذلك بالمريض الذي يتم حقنه بالبنج او الغائب عن الوعي، عندما يفيق فإن قيل له بانه كان غائب عن الوعي مدة طويلة فلن يصدق، وانظر ماذا قال (أهل الكهف) بعد ان ناموا أكثر من ثلاثة قرون ماذا أجابوا حين سئلوا عندما قاموا من النوم/الموت السريري، قالوا:

{لبثنا يوما أو بعض يوم}!

وهو ذات المقدار الذي ظنه الذي أماته الله (مئة عام) ثم بعثه، عندما سئل قال:{لبثت يوما أو بعض يوم}!

وهو ذات المقدار الذي سيجيب به أهل المحشر بعد موتهم آلاف الآلاف من السنين:

{لبثنا يوما أو بعض يوم}

الآن أدعوكم لتأمل الآيات في هذا الصدد وقراءتها بالمنظار السابق لتتعمق الفكرة ويرسخ الشعور في الوجدان.

قال تعالى:

{كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيةً أو ضحاها} النازعات 46

وقال تعالى:

{…كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعةً من نهار…} الأحقاف 35

وقال تعالى:

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ…} يونس 45

وقال تعالى :

{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} الروم 55

هل رأيتم كيف وصف الله فترة البرزخ والزمن الذي يمرُّ على الأموات؟

إنَّ الحيَّ منا يتصوَّر أنَّ الفاصل الزمني بين موته وبين بعثه طوييييييل جدًا بحسب نظرته لقوانين الزمن الدنيوية التي لا يعرف غيرها، فهو يرى يوم القيامة بعيدا، مع أنه في البعد الزمني الآخر عند الله تعالى قريب

قال سبحانه:

{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)} المعارج

وهذا الشعور بالأمد البعيد هو الذي يجعل أهل السوء منا يتمادون في غيهم وعصيانهم.

ويومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ ومن شرٍّ محضرًا، وأمدَ ما كانت توعَدُ قريبًا جدًا، حينئذٍ تودُّ لو أنَّ بينها وبينه “يوم القيامة” أمدًا بعيدًا…

لعلنا نستطيع أن نفهم أكثر الآن معنى الآية الكريمة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} الحشر 18

فيوم القيامة حقًا وصدقا هو كالغد بالنسبة لليوم، فمن مات اليوم على سبيل المثال “الإثنين 13 أكتوبر 2025 سوف يستفيق عند البعث غدا (الثلاثاء) ويعتقد يقينا أنه مات بالأمس الإثنين ويقسم على ذلك:

{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} طه 104

ويمكننا الآن أن نفهم كذلك حديث نبينا صلى الله عليه ؤآله وسلم:

عَنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (الجنَّةُ أقربُ إِلَى أحدِكمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِيه، والنَّارُ كذلك) رواه البخاري.

فليس بين العبد والجنة أو النار إلا أن يموت، وحينما تأتي سكرةُ الموت بالحق تُختزَل حياتُه كلُّها أمام عينيه وكأنه لم يلبث في الدنيا إلا برهةً يسيرة، وتصبح الحياةُ السالفةُ كالطيف الذي استفاق منه وتركه خلفه فلم يجد بين يديه إلا الحياة الممتدة أمامه بلا نهاية

وحينئذ يقول:

{يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الفجر 24

وكأن الحياة الماضية لم تكن حياته!

قد يقول قائل بأن هذا التفصيل يوحي بعدم وجود حساب في القبر (فترة البرزخ)، ان الحساب في القبر ثابت بالأدلة الشرعية، وطالما وجد حساب فسيترتب على ذلك ثواب وعقاب والله الخالق هو المهيمن على احساسنا ومشاعرنا خلال البرزخ وبعده، وهناك دليل من القرآن الكريم الذي حكى لنا عن مؤمن بني اسرائيل الذي نصح قومه بالإيمان فقتلوه:

{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)} سورة ياسين.

فقد تم حسابه في قبره مباشرة بعد مقتله (قبل ان تقوم الساعة) وأثابه الله وجعل قبره روضة من رياض الجنة، والحساب الكبير سيكون القيامة كما دلت على ذلك عشرات النصوص من الآبات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة.

والامر الآخر الذي يستفاد أن حياتنا بكاملها لاتساوي شيئا، وان الأصل هي حياة الآخرة، لذلك فإن المجاهد في سبيل الله يسترخص الدنيا عندما يقرأ هذه الآيات الكريمات من سورة آل عمران:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)}.

وقد تم توثيق العشرات من القصص في غزة حيث كان افراد الأسر يرون خلال نومهم شهداءهم يأتونهم ويبشرونهم بالحال الذي هم فيه فييترخص أهلهم الموت رغبة في حياة ابدية سعيدة، وهنا يتببن المسلم عدالة الله عندما يرى المقتلة تصيب المسلمين في العديد من الدول والاماكن عندما يقول الله الرحمن الرحيم (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ)، وكذلك عندما يقول:

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} البقرة 216.

بعد هذا المقال المنقولة فكرته، إذا شعرت بأنَّ نظرتك للساعة قد تغيرت، وأصبحت تحس بأنَّ القيامة ستكون بعد موتك بساعات لا تزيد عن يومٍ واحدٍ؛ فقد فهمتَ المقصود وأفدت من المنشور ولله الحمد، وإن لم يكن؛ فأنصحك بتَكرار القراءة حتى يتسلل المعنى إلى وجدانك، لتتذوق وتتلمس أبعادا جديدة لحقيقة وجودك.

أسأل الله ان يجعل عمرنا كله في طاعته ويرزقنا حسن الخاتمة وجنات الفردوس الأعلى

قولوا آمين

 

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام