
لا يمكن الحديث عن النهضة الحقيقية في أي أمة دون التوقف عند دور المعلم، هذا الإنسان الذي يحمل شعلة المعرفة، ويضيء بها دروب الأجيال، ويزرع فيهم بذور الفكر والوعي، ليصنعوا بدورهم حضارات الغد. إن المعلم ليس مجرد ناقل للمعلومات، بل هو صانع للعقول، موجه للقيم، ومهندس للتفكير النقدي والإبداعي. ومن هنا، فإن دوره يتجاوز الصفوف الدراسية ليصل إلى كونه أحد أعمدة التغيير والتنمية في المجتمع.
*المعلم وبناء الإنسان*..
الإنسان هو محور كل نهضة، والمعلم هو من يتولى مهمة تشكيل هذا الإنسان في سنواته الأولى، التي تعد الأهم في تكوين الشخصية والاتجاهات والقيم. فالمعلم لا يلقن الطالب دروسًا أكاديمية فحسب، بل يغرس فيه حب العلم، والانضباط، والإخلاص، والصدق، والاحترام. وهي القيم التي تمثل الأساس الأخلاقي الذي تنهض عليه الأمم.
وحين ينجح المعلم في ترسيخ هذه المبادئ، فهو لا يصنع طالبًا ناجحًا فحسب، بل مواطنًا مسؤولًا، يسهم بفعالية في مجتمعه، ويكون لبنة صالحة في بناء وطنه.
*المعلم والتمكين الفكري*..
التمكين الفكري هو الخطوة الأولى نحو التحرر من الجهل والنهوض المعرفي وتغير نمط الحياة والابتعاد عن التبعية والتقليد الاعمي والاستلاب الثقافي. والمعلم هو أداة هذا التمكين، فهو الذي يمنح طلابه القدرة على التفكير النقدي، ويشجعهم على التساؤل، والبحث، والتحليل، وربط المعلومات بالواقع، لا أن يكتفوا بالحفظ والتكرار. فالمعرفة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لفهم العالم والتفاعل معه.
المعلم المتمكن يحرص على ألا يكون طلابه تابعين فكريًا، بل مستقلين، قادرين على تكوين آرائهم الخاصة، والدفاع عنها بالحجة والمنطق. وهذا هو جوهر التمكين: أن يمتلك الإنسان أدوات التفكير، لا أن يعتمد على غيره في تشكيل وعيه.
المعلم في ظل التحولات المعاصرة..
يعيش العالم اليوم في عصر متغيرات متسارعة، وثورة معرفية غير مسبوقة، أصبحت فيها المعلومة متاحة بضغطة زر. في هذا السياق، تغير دور المعلم من كونه المصدر الأساسي للمعرفة، إلى مرشد وميسر، يساعد طلابه على التمييز بين الغث والسمين، ويقودهم في رحلة التعلم الذاتي.
لم يعد المطلوب من المعلم أن يحشو عقول طلابه بالمعلومات، بل أن يعلمهم كيف يتعلمون، وكيف يبحرون في محيط المعلومات الهائل، دون أن يضيعوا، أو يُخدعوا بالمظاهر الزائفة. وهنا يبرز دوره التربوي والفكري أكثر من أي وقت مضى.
المعلم ونهضة الأمم..
عندما ننظر إلى تجارب النهضة الحقيقية في العالم، من اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، إلى ماليزيا في عهد مهاتير محمد، نجد أن العامل المشترك فيها جميعًا كان الاستثمار في التعليم، وخصوصًا في المعلم. فالمعلم هو من يخرّج الطبيب، والمهندس، والمفكر، ورائد الأعمال، بل وحتى القائد السياسي.
أمة تهمل معلميها، هي أمة تفرّط في مستقبلها. وأمة تكرم معلميها، هي أمة تمهد لنفسها طريق المجد والازدهار. ولهذا فإن أولى خطوات النهضة تبدأ من إعادة الاعتبار للمعلم: تأهيلًا، وتقديرًا، وتمكينًا.
*التحديات التي تواجه المعلمين*
رغم أهمية دورهم، فإن المعلمين يواجهون تحديات جسيمة، منها ضعف الرواتب، وضغط المناهج، وكثرة الأعباء الإدارية، وغياب الدعم المجتمعي. كما يعانون أحيانًا من تراجع مكانتهم الاجتماعية، نتيجة نظرة قاصرة لا تُقدّر قيمة ما يقومون به.
لذلك، فإن دعم المعلمين لا يجب أن يكون فقط بالكلام، بل بالسياسات والقرارات التي تعيد إليهم هيبتهم، وتوفر لهم بيئة عمل تحفّز الإبداع، وتخفف الضغوط، وتشجع على التطوير المستمر.
كلمة أخيرة:
تحية للمعلمين
في كل صباح يدخل فيه المعلم إلى فصله بابتسامة رغم التعب، وفي كل مساء يقضيه في تصحيح أوراق طلابه أو إعداد دروسه، هناك قصة من قصص التفاني التي لا تُروى. هؤلاء الجنود المجهولون هم الذين يُعبّدون الطريق للأجيال القادمة، دون أن ينتظروا شكرًا أو جزاءً.
إلى كل معلم آمن برسالته، وثابر رغم التحديات، وواصل العطاء بصمت: أنتم صُنّاع النهضة الحقيقيون، وأنتم من تستحقون التقدير في الحاضر والماضي والمستقبل





