رواندا تنهض بالعلم… والسودان يتقهقر ✍️ فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السيد

في قلب القارة الإفريقية، حيث كان الدمار واليأس سيّدي المشهد قبل ثلاثة عقود، تنهض رواندا اليوم كواحة للأمل، ودرسٍ بليغ في أن الأمم لا تُبنى على الركام، بل على العقول.
فالدولة التي شهدت واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ عام 1994م، تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى نموذج إفريقي متقدّم في التنمية والحوكمة والتعليم.
لقد فهمت رواندا مبكرًا أن النهضة تبدأ من المدرسة والمعمل لا من الخطب والشعارات.
فجعلت من التعليم مشروعًا وطنيًا لا يخضع للمساومة السياسية، وأدركت أن بناء الإنسان أهم من بناء الأبراج والطرق؛ قد بدأت بالمعاني قبل المباني.
*التعليم… مفتاح النهضة الرواندية*
قادت الدولة ثورة تعليمية شاملة، بدأت بتأهيل المعلمين وتحديث المناهج وربطها بسوق العمل، ثم بإدخال التقنية في كل المراحل الدراسية.
وأطلقت الحكومة برامج شراكة مع جامعات عالمية مثل “كارنيغي ميلون” و“أكسفورد”، حتى غدت كيغالي مركزًا إقليميًا للتقنية والابتكار وريادة الأعمال.
كما منحت المرأة مكانتها في العملية التعليمية والتنموية، فارتفعت نسب مشاركتها في التعليم والقيادة إلى مستويات غير مسبوقة في القارة.
لم يكن ذلك ترفًا، بل رؤيةً تؤمن بأن كل عقلٍ متعلم هو استثمار في مستقبل الوطن
*من البارود إلى الكتاب*
رواندا لم تملك ثرواتٍ طبيعية كبيرة، لكنها امتلكت إرادةً من حديد.
أعادت صياغة مناهجها لتغرس قيم المواطنة والتسامح، ورفعت شعار “رواندا تتعلم لتنهض”، فصار العلم سلاحها الأسمى ضد الجهل والانقسام.
واليوم، تُصنّف رواندا ضمن أسرع الاقتصادات نموًا في إفريقيا، وتُعد من أنظف الدول وأكثرها اساستقرارً
…
*حينما تهدم السياسةُ صروح التعليم*
في المقابل، كان السودان رائدًا في التعليم الإفريقي والعربي منذ بدايات القرن الماضي.
من مدارس غوردون ووادي سيدنا وحنتوب خرجت عقول ملأت العالم العربي علمًا وإبداعًا.
لكن حين دخلت السياسة إلى قاعات الدرس، انكسرت المسيرة، فانهارت المناهج وتدهورت المؤسسات وغاب التخطيط، حتى فقد التعليم بوصلته.
تحوّلت المدرسة من منارة للوطن إلى ميدان للمحاصصة الحزبية، وتراجع احترام المعلّم، وتآكلت البنية التعليمية، بينما ظلّ الحديث عن الإصلاح مجرد شعارات موسمية بلا إرادة حقيقية
*مدارس فنية كانت تصنع المستقبل*
لم يكن التعليم السوداني نظريًا فقط، بل امتد إلى مجالات التطبيق والبحث العلمي.
كانت مدرسة طلحة الزراعية مثالًا يُحتذى به في التعليم الفني، حيث كانت مركزًا علميًا وبحثيًا يربط الطالب بالأرض والمزرعة والمختبر، ويساهم في تطوير الزراعة الوطنية.
لكنّ السياسة والإهمال دمّرا هذا الإرث، فأُهملت المدارس الفنية، وتراجع التعليم المهني، وضاعت فرص ربط العلم بالإنتاج.
ولو حُفظت تلك المؤسسات ورُعيت كما ينبغي، لكان السودان اليوم من الدول الزراعية والصناعية الكبرى في إفريقيا.
إلا أن هدم التعليم التطبيقي كان في جوهره هدمًا لمستقبل البلاد
الدرس من رواندا
التجربة الرواندية لا تقدّم معجزة، بل دليلًا عمليًا على أن الإرادة السياسية حين تتجه نحو الإنسان، يصنع التعليم المعجزات.
أما حين يُختطف التعليم لصالح الأيديولوجيا أو المصالح الضيقة، فإن الدولة كلها تسير نحو التراجع والانقسام.
لقد آن للسودان أن يعيد تعريف التعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا لإنقاذ العقول قبل البنية التحتية، وأن ينهض بمؤسساته العلمية والفنية، ويستعيد مكانة المعلم، ويُعيد للمدرسة رسالتها التربوية لا الحزبية.
فالأوطان لا تُبنى بالخطابات، بل بعقلٍ يعرف، ويدٍ تعمل، وقلبٍ يؤمن بأن العلم هو طريق الخلاص.
رواندا فعلتها… فهل يفعلها السودان؟
والله ولي التوفيق





